السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
374
مفاتيح الأصول
وعدالة من يروي عنه ممن ادعي الإجماع في حقه ومع هذا كيف يجوز الحكم بصحة الرواية بعدالة مجهول الحال اللهم إلا أن يفسّر لفظة ما في قولهم ما يصح عنه بالحديث المتعارف فيتجه حينئذ الحكم بصحّة الرواية لأن تقدير العبارة يكون هكذا أجمعت العصابة على الحكم بصحة الخبر الَّذي ثبت أنه رواه وعلى هذا ربما أمكن دعوى ثبوت عدالة من يروي عنه هذا الَّذي ادعي الإجماع في حقّه ولكن التفسير المذكور مشكل بل الظاهر عدمه وهل تفيد العبارة المذكورة توثيق من ادعيت في حقّه أو لا فيه إشكال من أن الصّحيح عند المتقدمين على ما ذكره جماعة ظاهر الثبوت وهو لا يستلزم عدالة الرّاوي لإمكان حصوله بالقرائن وكون الصّحيح عند المتأخرين معناه كون الرّاوي إماميّا ثقة لا يجدي لأن العبارة صدرت من المتقدمين فيجب حملها على مصطلحهم نعم إذا صدرت من المتأخرين أفادت عدالة من ادّعيت في حقه ومن أن الظاهر أن الذي يجمع العصابة على صحة جميع رواياته لا يكون إلا عدلا عادة وإن أمكن عقلا أن يكون فاسقا فيكون مفيدا للظن بالعدالة فيرجع حينئذ إلى التحقيق الذي ذكرناه في مشايخ الإجازة ولما كان الأقرب عندنا أصالة حجيّة الظن في إثبات عدالة الراوي جاز الاعتماد على ما ذكر في إثبات عدالة من ادعيت في حقه والظاهر بناء المعظم على هذا بل لم يظهر مخالف فيكون هذا معاضدا لما ذكرنا كما لا يخفى مفتاح إذا حكم نحو العلامة بصحة سند حديث ولم نعلمها ولكنا رأيناه بسند فيه مجهول الحال الَّذي لم يتعرض له أهل الرجال فهل ذلك يوجب توثيق ذلك المجهول حتى لو رأيناه في سند آخر كان اللازم الحكم بصحته أو لا وعلى الثاني فهل يحكم بصحة أصل الحديث فيلزم العمل به كسائر الصحاح أو لا بل يطرح ويرجع إلى غيره فهاهنا مقامان الأوّل في إفادة ذلك التوثيق ذهب بعض على ما حكاه جدي رحمه الله في التعليقة إلى إفادة ذلك قال ومنهم المصنف في ترجمة الحسن بن متيل وإبراهيم بن مهزيار وأحمد بن عبد الواحد وغيرهم انتهى ولعلّ حجيّة أن تصحيحه ذلك الحديث إمّا باعتبار وثاقة ذلك المجهول عنده أو باعتبار اطلاعه على سند آخر لم يشتمل عليه ولكن الأخير خلاف الظاهر لأن الفرض أنه لم يظهر سند آخر غير ما علمنا به بعد التتبع ويبعد أن يكون موجودا ولم يعثر عليه فانحصر الوجه بحسب الظاهر في الأوّل فيكون مفيدا للتوثيق ومنع من هذا القول جدي رحمه الله حيث قال بعد الإشارة إليه وفيه أن العلامة لم يقتصر إطلاق الصّحة في الثقات كما أشرنا إليه إلا أن يقال إطلاقه إياها على غيرها نادر وهو لا يضر لعدم منع ذلك ظهوره فيما ذكرنا سيّما بعد ملاحظة طريقته وجعله الصّحة اصطلاحا فيها لكن لا يخفى أن حكمه بصحة حديثه دفعة أو دفعتين مثلا غير ظاهر في توثيقه بل ظاهر في خلافه بملاحظة عدم توثيقه وعدم قصره نعم لو أكثر تصحيح حديثه مثل أحمد بن محمّد بن يحيى وأحمد بن عبد الواحد ونظائرهما فلا يبعد ظهوره في التوثيق واحتمال كون تصحيحه ذلك لكونهم مشايخ الإجازة فلا يضر مجهوليتهم أو لظنه بوثاقتهم فليس من باب الشهادة فيه ما سنشير إليه والغفلة ينفيها الإكثار مع أنه في نفسه لا يخلو عن البعد انتهى ومال إلى تفصيله والدي العلَّامة واحتج على دلالته على التوثيق مع الإكثار بما أشار إليه من بعد الغفلة والاطلاع على سند آخر غير الذي اشتمل على ذلك وعلى عدم دلالته على التوثيق مع عدم الإكثار بأن عدم الاطلاع على سند آخر وإن كان يوجب الظن بأنه تصحيح للسّند الذي فيه ذلك المجهول فيفيد توثيقه لكن ملاحظة ترجمته في الرجال وعدم تصريح أحد من أهل الرّجال بما يدلّ على توثيقه مع كونهم من أهل الخبرة وتوفر دواعيهم على كشف أحوال الرجال يوجب الظن بأنه ليس تصحيحا للسّند الذي اشتمل على ذلك المجهول وهذا الظن إن لم نقل بكونه أقوى من الأول فلا أقل من مساواته له ومع هذا كيف يمكن الحكم بالوثاقة والتحقيق عندي أن يقال إن ما ذكر غير منضبط ولا هو كلَّي إذ ربّما يحصل من التتبع الظن القوي في الغاية بعدم سند آخر غير ذلك فلا يحصل من ملاحظة الترجمة ظنا يبلغ هذا المقدار من القوة وقد ينعكس الأمر فالمدار على حصول الظن من غير معارض اللهم إلا أن يقال ما ذكره دام ظلَّه مبني على الغالب ولا يقدح حينئذ الاختلاف أحيانا المقام الثاني في أنه هل يدل على صحة الحديث فيجب العمل به الحق عندي ذلك لأن السند الذي صحّحه لا يخلو في الواقع إما أن يكون ذلك السّند الَّذي اشتمل على المجهول أو غيره وعلى أي تقدير يحصل الظن بكون الحديث صحيحا أما على الأول فلأنه يكون توثيقا لذلك المجهول فيصح سنده وأما على الثاني فلأن تصحيحه يكون تصحيحا لسند لم نعثر عليه وهو كاف بناء على اعتبار تعديل المجهول حيث لم يكن الاطلاع على معارضه كما في مراسيل ابن أبي عمير نعم إن منعنا منه أو من اعتبار توثيق العلامة في الكتب الفقهية اتجه المنع من الحكم بصحة الحديث لكنهما محل نظر بناء على أصالة حجية كل ظن وربّما اعترض بأن ملاحظة الترجمة الموجبة للظن بأنه ليس توثيقا لذلك وملاحظة التتبع وعدم الاطلاع على سند آخر الموجبان للظن بعدم سند آخر يوجبان الظن بخطإ العلامة في الحكم بالصحة وفيه أولا أن الظن بعدم الغفلة أقوى من ذلك الظن جدا لأن الظن الحاصل منهما مستند إلى أمارتين عدميتين وظن الصّواب وعدم الغفلة مستنده إلى أمارة وجودية فيقدم كما إذا صرّح ثقة بوثاقة رجل وسكت الباقون عن حاله مع ذكر اسمه وثانيا أنا نمنع من معارضة ظن الصواب بالظن الحاصل من أمارتين عدميتين معا بل إنما عارض ظن الصواب إحدى الأمارتين وذلك لأن ظن الصواب حينئذ يقتضي حصر وجه التصحيح في أحد الأمرين اعتقاد وثاقة المجهول والاطلاع على سند آخر صحيح في الواقع فيعارضه إحدى الأمارتين إما ملاحظة الترجمة إن كان السبب في تصحيحه الاطلاع اعتقاد وثاقة المجهول أو عدم الاطلاع على سند آخر إن كان السبب في تصحيحه الاطلاع على سند آخر ولا شك حينئذ في تقدم ظن الصواب كما لو صرّح العلامة بسبب التصحيح مفتاح إذا قال أصحابنا في كتبهم الرجالية